- أحاديث رمضان
- /
- ٠01رمضان 1415 هـ - قراءات قرآنية
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
العمل الصالح أثمن شيء في الحياة الدنيا يصلح للعرض على الله :
وبعد : لأن سرّ وجود الإنسان في الدنيا هو الإعداد للآخرة ، وإن أثمن شيء في الحياة الدنيا أن تعمل عملاً صالحاً يصلح للعرض على الله يوم القيامة ، والدليل أن الإنسان إذا جاءه الموت لا يندم إلا على عمل صالح لم يفعله ، وقوله تعالى :
﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾
﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً﴾
ربنا في القرآن الكريم ، في أسلوب معجز وبليغ حببنا بالعمل الصالح .
هناك آية في هذا الجزء من يذكر هذه الآية ؟ بأسلوب محبب وبليغ :
﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾
أيضاً :
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾
أي الله جلّ جلاله جعل خدمتك لأخيك المؤمن قرضاً حسناً له سبحانه ؛ كلما تحولت ، وكلما تحركت ، وكلما طُلب منك شيء من إنسان ، كائناً من كان ، لا ينبغي أن تعرف من هو هذا الإنسان ، خلقه الله عز وجل ، لجأ إليك ، استغاث بك ، طلب منك ، استعان بك ، ينبغي أن تعلم أن هذا الإنسان مخلوق لله عز وجل ، وأنت إذا أحسنت إليه فقد أقرضت الله قرضاً حسناً ، وسيضاعفه لك أضعافاً كثيرة ؛ فالإنسان قبل أن يعتذر عن عمل صالح ، قبل أن يتردد ، قبل أن ينسحب ، قبل أن يهرب من عمل صالح ، ليذكر هذا المعنى ، هذا المعنى يدفع الإنسان لخدمة الخلق :
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾
قد تقرض الله قرضاً حسناً لخدمة مخلوق غير الإنسان ، حيوان .
هذه المرأة التي سقت الكلب ، الذي يأكل الثرى من العطش ، غفر الله لها ، لأنها أقرضت الله قرضاً حسناً .
فهذا المعنى إذا كان ماثلاً في أذهان الأخوة المؤمنين ، ينطلقون إلى الأعمال الصالحة ، لأنها زادهم يوم القيامة ، والغنى والفقر بعد العرض على الله ، والغنى غنى العمل الصالح ، والفقر فقر العمل الصالح ، وهناك آية تؤكد ذلك بقصة ، لما سيدنا موسى سقى للمرأتين ، ابنتي سيدنا شعيب ، ماذا قال ؟ قال :
﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾
هذه واحدة .
حقوق و واجبات من يتعرف إلى الله عزّ وجل :
هناك نقطة ثانية في هذا الجزء :
﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾
على غير المتقين ليس حقاً ، معنى ذلك أن المؤمن حينما يتعرف إلى الله ، له معاملة خاصة ، ينشأ من هذه المعرفة واجبات ، وعليه حقوق ، أما الضائع ، الجاهل ، الفاسق، فهذا لا يحاسب على هذه الحقوق .
دقة الآية أن :
﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾
ما قال : حقاً على الناس ، ما قال : حقاً على أزواجهن ، قال :
﴿حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾
فالذي يبتغي وجه الله عز وجل ، والذي يتقي أن يغضبه ، والذي يتقي أن يعصيه ، هذا الإنسان يجب عليه واجبات ، وتترتب عليه حقوق ، حينما عرف الله ، وسلك منهج الله عز وجل ، ينشأ عن هذه المعرفة ، وعن هذا السلوك حقوق ، عليه أن يؤديها ، لذلك : امرأة طلقت زوجها ، فلما أراد أن يعطيها هذا المتاع ، رفضت ، قال :
((أنت ليس عليك متاع))
وتعني بهذا أنه ليس متقياً حتى يتوجب عليه هذا الحق .
أعلى فهم على الإطلاق لكلام الله عز وجل هو فهم النبي عليه الصلاة والسلام ، فقد استنبط عليه الصلاة والسلام أحكام العدة : أن المرأة المتوفى عنها زوجها ، عليها أن تعتد ، وفي العدة عليها أن تسلك سلوكاً معيناً ، ربما لا يتناسب مع أنوثتها ، ولا مع كونها امرأة .
النبي -عليه الصلاة والسلام- استنبط أحكام العدة من هذه الآية . قال :
﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
معنى ذلك أن هذه المرأة قبل أن يبلغ الكتاب أجله ، إذا فعلت ما هو معروف عنها، وعن بني جنسها ، مؤاخذة في كتاب الله عز وجل ؛ لذلك : المعتدة لا تكلم أحداً ، ولا تخرج من البيت ، ولا ترتدي الفاقع من الثياب ، هذا من شأن الأنثى أن ترتدي ، أن تتزين ، أن تزور أهلها ، لكن المعتدة ، حداداً على أقدس عهد على الإطلاق ، قال : " الشيء المألوف عنها ، والمعروف عنها ينبغي أن تمتنع عنه حداداً على زوجها " .
أفعال الله تكوينية و أوامره تكليفية :
أيها الأخوة ؛ هذه الآية الكريمة إذا الإنسان جعلها ماثلة أمام عينيه :
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
الله عز وجل له أفعال تكوينية ، وله أوامر تكليفية ؛ كلفنا بالصلاة ، والصيام ، والحج ، والزكاة ، وكلفنا بالصدق ، والأمانة ، والورع ، والعدل ، إلى آخره . . . . . . لكن له أفعالاً ، وأفعاله نراها كل يوم ، نراها على شكل أمطار سخية ، أو على شكل قحط ، أو على شكل زلازل ، أو على شكل اضطرابات ، كل ما يجري في العالم هو أفعال الله عز وجل ، هذه أفعاله التكوينية ، أما أوامره التكليفية فمعروفة في الكتاب والسنة .
سؤال ، السؤال أن الله سبحانه وتعالى في قصة سيدنا الخضر مع سيدنا موسى عليه السلام ، بيّن جانباً من أفعاله التكوينية ؛ هل من المعقول أن يعد خرق السفينة عملاً طيباً؟ لولا أنها خرقت لصودرت ، هل من المعقول أن تنشىء جداراً بلا ثمن ؟ بلا أجر؟ وأنت جائع تطلب الطعام فلا تُطعم ؟ تنشىء جداراً بلا مقابل ؟ عمل غير منطقي ، لذلك : لو بدا لك أن فعل الله ليس واضحاً ، يجب أن تقيس على قصة سيدنا الخضر ، كل أفعال الله عز وجل - والله سبحانه وتعالى يمتحن عباده بهذه الأفعال - تبدو لك غير منطقية ، قد يبدو لك أن الكافر يتمتع بكل ما في الدنيا من متع ، بينما المؤمن قد يكون محروماً أحياناً ، لذلك قال ابن عطاء السكندري: " ربما كان المنع عين العطاء ، ربما كان العطاء عين المنع ".
الضرورات تبيح المحظورات :
لذلك : كل شيء إذا جاء الإنسان و لم يعرف حكمته فليقرأ هذه الآية :
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾
المشكلة عند عوام المسلمين أن هذه الآية توسعوا بها إلى درجة أن الحاجات الثانوية جعلوها من الضرورات ، وفعلوا من أجلها المحظورات ، لذلك من حين لآخر يجب أن نذكر الأخوة الكرام أن الضرورات التي تبيح المحظورات محصورة في التعريف التالي : حينما يغلب على ظنك أنك هالك جوعاً ، أو عرياً ، أو تشرداً ، أنت وأهلك ، يمكنك أن تفعل بعض المحظورات ، حينما يغلب على ظنك - وغلبة الظن تقترب من اليقين - أنك هالك ؛ أي ميت جوعاً ، وعطشاً ، وعرياً ، وتشرداً ، أنت وأهلك ، فهذه الضرورات التي تبيح المحظورات ، لأنه كلما واجهت إنسان بمخالفة كبيرة في كسب المال ، يقول لك : مضطر ، هذا الموضوع ليس له نهاية ؛ كل إنسان مضطر ليوسع بيته ، كل إنسان مضطر ليكون في بيته أثاث فخم ، كل إنسان مضطر ليزوج أولاده ، كل إنسان مضطر ليعيش حياة مرفهة ، استعمال كلمة مضطر استعمال مخادع ، وفيه مغالطة ، أما الضرورات التي تبيح المحظورات فأن يغلب على ظنك أنك هالك أنت وأهلك ، جوعاً ، وعطشاً ، وعرياً ، وتشرداً ، عندئذ حياتك أثمن عند الله من كل شيء ، عندئذ تفعل المحظورات ، والضرورة تقدر بقدرها ، دون أن تزيد عليها .
الاستقامة على أمر الله عز وجل :
هناك نقطة دقيقة جداً :
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
هناك نشاطات بالإسلام ممتعة ؛ طرح سؤال ، تلقي جواب ، أي الموازنة بين المذاهب ، نقل أخبار المسلمين ، طرح أسئلة عويصة ، حالات نادرة جداً لا تقع إطلاقاً ، تطرحها أمام العلماء ، والعلماء يحارون في الإجابة عنها ، يختلفون ؛ فلان قال كذا ، فلان قال كذا ، كل هذا النشاط ، النشاط العلمي المترف ، ليس هو البر ، البر أن تستقيم على أمر الله .
أحياناً شيء ممتع جداً ، طرح سؤال محرج ، يا ترى : ماذا قال الإمام الشافعي ؟ الإمام أبو حنيفة ؟ الإمام مالك ؟ الإمام ابن حنبل ؟ ما رأي العلماء في هذا الموضوع ؟
أي أنت لست جاداً بتطبيق شيء ، لكنك تريد أن تتسلى بطرح هذه الأسئلة . فربنا عز وجل يقول :
﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾
ليس هذا هو البر؛ البر أن تعدل ، البر أن تستقيم ، البر أن تعمل صالحاً ، البر أن تتحرك إلى الله ، البر أن تعطي مما أعطاك الله ، البر أن تأمر بالمعروف ، أن تنهى عن المنكر ، أن تتحرك ، أن يكون لك عمل ، لا أن تبقى في حيز التساؤل ، والإجابة ، والموازنة ، وإلقاء الأسئلة والشبهات ، وامتحان العلماء ، وإجاباتهم ، هذا النشاط كله ليس عند الله براً ، نشاط مترف ، لذلك ليس البر :
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾
أي هذا الدين له طرائق شرعها الله عز وجل ، أنت حينما تطبق منهج الله عز وجل الأمور تبدو لك رائعة جداً ، أولاً : تتصل بالله ، ثانياً : ترى نفسك قريباً من الحق ، ثالثاً: تشعر أن الأدلة معك قوية ، أما حينما تبتعد عن التطبيق ، وتبقى في حيز الفكر ، فالفكر ثقافة، فالإسلام ثقافة عند بعض الناس ، كما أن هناك مذاهب ثقافية أخرى ، فهذه نقطة يجب أن تكون بين أيدينا .
آيات في القرآن الكريم تُفهم على معنيين متعاكسين :
مرت آية في الإنفاق تُفهم على معنيين متعاكسين من إعجاز القرآن الكريم ، أي الله عز وجل لما قال :
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
أي تُفهم على أن الإنسان إذا كان ببحبوحة ، ولم يغير ، الله لا يغير ، وتُفهم على معنى آخر : الإنسان إذا كان في ضائقة ، الله لا يغير حتى يغير .
مرت آية بالإنفاق لها معنيان متعاكسان في وقت واحد :
﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾
إنكم تهلكون إن أنفقتم كل أموالكم ، وإنكم تهلكون إن لم تنفقوا ، إن لم تنفق فأنت هالك ، حرمت نفسك الخير ، وإن أنفقت كل ما في يدك ، فأنت هالك ، ربما تندم على ذلك .
أي الله عز وجل لا يحبك أن تفور ثم تخمد ، يحبك أن تمشي بخطوات متأنية، متنامية ، الإنسان إذا أنفق من غير تعقل ، ثم يجد بين يديه شيئاً ، قد ينتكس . فالله عز وجل قال :
﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾
وقال :
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾